معالم العلاقات الإنسانية

في الإسلام

تأليف

د0 أحمد عبد الرحيم السايح 

 

    في ظلّ الهجمة الشرسة على الإسلام والمسلمين التي أعقبت أحداث الحادي عشر من  أيلول 2000  في نيويورك  انبرى علماء المسلمين للردّ على هذه الهجمة وتبيان حقيقة الإسلام 0 من هؤلاء الدكتور أحمد عبد الرحيم السايح  في كتابه الجديد :

 " معالم العلاقات الإنسانية في الإسلام " وقد صدر حديثا عن رابطة العالم الإسلامي في مكة المكرمة  وفي سلسلة "دعوة الحق " وهو في 200 صفحة من القطع المتوسط 0

 

     والكتاب في مجمله يقع في فصلين 0 يتألف الفصل الأول من خمسة مباحث تتحدث عن معالم الإسلام وفطرية الإسلام وضرورة الإسلام وعالمية الإسلام واستمرارية الإسلام وشمولية الإسلام 0  والفصل الثاني  بعنوان : علاقات إنسانية ، وفيه ثلاثة  مباحث تتحدث عن التفاهم بين الأديان وحوار الحضارات وأخيرا الغرب في التصور الإسلامي 0

    

     في حديث المؤلف عن فطرية الإسلام يقول : " والحقيقة أن في فطرة الإسلام فراغا لايملؤه علم ولا ثقافة ولا فلسفة0 وإنّما يملؤه الإيمان بالله جلّ وعلا 0 فاعتقاد الأفراد والجنس الإنساني بأسره في الخالق اعتقاد اضطراري ، قد نشأ قبل حدوث البراهين الدالة على وجوده ومهما صعد بذاكرته في تاريخ طفولته ، فلا يستطيع أن يحدد الساعة التي حدثت فيها عقيدته ، تلك العقيدة التي نشأت صامتة وصار لها أكبر الآثار في حياته ، فقد حدثت العقيدة في أنفسنا ككل المدركات الرئيسية على غير علم منّا 0  فالطفل حين ولادته لايكون له إدراك لهذا الأمر ولا تعقّل له ولا إرادة  في تحصيله ، لأنّ الله سبحانه وتعالى يقول: " والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لاتعلمون شيئا ، وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلّكم تشكرون (النمل 78 ) 0 ( انظر ص :19-20 )  0 

 

     وأمّا عن عالمية الإسلام فيقول المؤلف إن الرسالة الإسلامية قد توجهت للناس كافة من جميع الأجناس والألوان وفي كل العصور 00 وبالعالميةالتي اتصف بها الإسلام يتميّز عمّا سبقه من رسالات سماوية كانت تتوجه إلى أقوام بعينهم في عصر معيّن 00 لذلك نرى القرآن يتحدّث عن أقوام بلغتهم رسالات سماوية وينسبهم القرآن إلى أنبيائهم كما في الحديث عن قوم نوح وهود وصالح ولوط وشعيب وموسى وغيرهم من الأنبياء والرسل ( ص : 50 51 ) 0

 

     والإسلام بلغة القرآن ليس اسما لدين خاص وإنّما هو اسم للدين المشترك الذي هتف به كل الأنبياء0 ومن الأدلة الواقعية على عالمية الإسلام  يشير المؤلف إلى أنه كان من السابقين إلى الإسلام أبوبكر العربي وبلال الحبشي وسلمان الفارسي وصهيب الرومي  ( ص 62 )  0 

 

     وأما عن شمولية الإسلام فيتحدث المؤلف عن عدة أنواع من الشمول : شمول العقيدة وشمول العبادة وشمول التشريع وشمول الأخلاق 0  وعن شمول التشريع يقول الدكتور السايح  التشريع للفرد في سلوكه الخاص والعام وهذا يشمل الحلال والحرام أو الحظر والإباحة 0 ويلفت إلى أن أطول آية في كتاب الله تعالى نزلت في تنظيم شأن من الشؤون المدنية وهو المداينة وكتابة الدين (ص 89 90 ) 0

     كما أنّه يمكن للباحث أن يتعرف على أمثلة كثيرة للشمول في التشريع الإسلامي  منها : أحكام الأسرة من نكاح وطلاق وإرث  ونفقة ، وأحكام المعاملات كالبيع والإجارة والرهن والكفالة ، وأحكام القضاء والدعوى وأصول الحكم والشهادة واليمين والبيّنات ، وأحكام تتعلق بمعاملات الأجانب غير المسلمين عند دخولهم إلى إقليم الدولة الإسلامية والحقوق التي يتمتعون بها والتكاليف التي يلتزمون بها ، وأحكام تتعلق بتنظيم علاقات الدولة الإسلامية بالدول الأخرى في السلم الحرب ، وأحكام تتعلق بنظام الحكم وقواعده وشكل الحكومة وعلاقات الأفرادبها وحقوقهم عليها ، وأحكام تتعلق بموارد الدولة الإسلامية ومصارفها وتنظيم العلاقات الماليةبين الأفراد والدولة وبين الأغنياء والفقراء (ص 91-92)

 

     وفي الفصل الثاني من الكتاب والذي يتحدث عن بعض العلاقات الإنسانية ، يقول المؤلف : إن الله تعالى قد أوجد الإنسانية من نفس واحدة وأنشأ من هذه النفس زوجها ، ومنهما نشر في الوجود رجالا ونساء 0 قال الله تعالى : " يا أيّها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة  وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالا كثيرا ونساء " ( النساء : 1 ) 0 ويلاحظ هنا أن سبحانه وتعالى وجه خطابه للناس جميعا وليس للمسلمين فقط 0 ومن هنا فالمسلمون يجب أن يكونوا على استعداد لكل حوار بنّاء مع أية جهه معينة فعالة شعبيا ورسميا للسير بالإنسانية نحو الخير والفلاح (ص41)  0 

     وأما مبحث حوار الحضارات وهو المبحث الثاني من هذا الفصل فقد استهله الكاتب بتعريف التحاور فقال : هو التجاوب 0 لذلك لا مندوحة في هذا الحوار من متكلم ومخاطب ولابد  فيه من مراجعة الكلام وتبادله وتداوله ،  وغاية الحوار هي توليد الأفكار الجديدة في ذهن المتكلم لا الاقتصار على الأفكار القديمة 0 في هذا التجاوب توضيح للمعاني وإغناء للمفاهيم يفضيان إلى تقدم الفكر (ص 143 ) 0

     أمّا الحضارة فانّها مأخوذة من الحضر والحضر خلاف البدو، والحاضر خلاف البادي وفي الحديث : " لايبع حاضر لباد "  والحاضر المقيم في المدن والقرى والبادي المقيم بالبادية 00 كذلك  فإن أهل الحضر يوصفون بأنّهم أهل القرار وأنهم أهل المدر وهو قطع من الطين المتماسك 0 أو أهل الحجر لأنهم يسكنون بيوتا متينة ثابتة ، خلافا لأهل الوبر الذين يسكنون الخيام من وبر الإبل أو صوف الماعز 0

     ويشير المؤلف إلى أن مفهوم كلمة " الحضارة قد تطور مع الزمن لاسيما في تاريخ الحضارة العربية 0 ويذكر أن الحضارة  في فكر ابن خلدون هي " طور طبيعي من أجيال طبيعية في حياة المجتمعات المختلفة وأنها غاية العمران " (ص146) 0

     كما يذكر المؤلف أنّه من مجالات الحضارة: العقائد والعادات والأدب الشعبي وأدب الخاصة أو الأدب الرفيع  والنظم السياسية والإدارية والاقتصادية والاجتماعية 0 كما لا يخرج عنها تخطيط  المدن والعمارة ووسائل النقل وأساليب المأكل والمشرب والزينة والترفيه (ص 149) 0 

     ويتحدث الكتاب عن لقاء الإسلام بحضارات الأمم من فارسية وهندية ويونانية ، كما يتحدث عن لقاء الإسلام بحضارة الشام ومصر وبلاد الشمال الافريقي 0 ويتحدث أيضا عن نقل التراث الإسلامي في صقلية وفي بلاد الأندلس ، وأثناء الحروب الصليبية 0  

     ويختتم هذا المبحث بالحديث عن التفاعل الحضاري ، فيعتبره ضرورة إنسانية لابد منها لقيام الحضارات0 ولكنه ينظر إلى حال الأمة الإسلامية المعاصرة فيرى أنها محاصرة  بين غربتين : غرب زمان وغربة مكان 0

     أمّا غربة الزمان فهي : بعد الأمة عن ماض حضاري مشرق لم تعد تربطها به عوامل  الثقافة الفاعلة أو البانية 0 وأما غربة المكان فهي بعد الأمة عن واقع حضاري معاصرتجهل عنه كل شئ 0لذلك إذا كان لا بد لهذه الأمة أن تعود إلى التفاعل الحضاري وتستفيد من حضارات إنسانية  فلا بد من خروج الأمة الإسلامية من الاغتراب الزماني والاغتراب المكاني  وذلك بالربط بين الواقع والثوابت الحضارية الإسلامية وبين مصادر التقدم المعاصر 0 وليس هناك من وسيلة للربط غير الدين والعلم والحياة في إطار من حرية الفكر وسياسة عقلانية للتقدم وتسامح مستنير 0

 

     أمّا عن الغرب في التصور الإسلامي وهو عنوان المبحث الثالث من هذا الفصل فالكاتب يؤكد أن ثورة وسائل الاتصالات والانتقال والتي بموجبها صار الناس في أجزاء مختلفة من العالم يتعرفون ببعضهم بعضا ويكتشفون أوجه الاختلاف والاتفاق ، خلقت هذه الثورة الاحساس المتبادل بين المجتمعات الانسانية بوجود أخطار مشتركة على العالم كله تتجاوز حدود الثقافات والعقائد الدينية والقوميات ، مثل أخطار العنف في العالم ونفاذ الموارد خصوصا المياه وتدمير البيئة  نتيجة الإسراف والتصنيع (ص 187 ) 0

 

     وأمّا عن المبادئ الإسلامية في علاقات المسلمين بالغرب  فتحددها الآية الكريمة : " قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألاّ نعبد إلاّ الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله " (آل عمران : 64 ) 0

     ويرى المؤلف أنّ هذه الآية تحدد المبادئ التالية :

1-  مبدأ الاعتراف بالآخرين 0  2- مبدأ الحوار وأهميته 0 3- مبدأ احترام المشيئة الذاتية للآخر 0 4- مبدأ استشراف المستقبل في ظلّ علاقات إنسانية سامية  0    

 

     ومن المؤكد أن علاقة الإسلام بالغرب هي علاقة إنسانية تدفعها الرغبة في العيش الكريم والسلام الشامل بين الشعوب ، وإن وجود أقليّات إسلامية في المجتمعات الأخرى وفي الغرب بالذات يساعد المسلمين على تحقيق حوار حضاري 0 وأخيرا يدعو الكاتب إلى ضرورة مدّ  يد الصداقة لمؤسسات ومعاهد وجامعات في الغرب تعنى بدراسة التراث الإسلامي وطريقة التفكير لدى المسلمين مثل جامعة هارفارد وجامعة بيل في أميركا ، وجامعة كامبردج  واوكسفورد وجامعة لندن في بريطانيا ، والسوربون ومعهد العالم العربي في فرنسا 0 كما ظهر عدد من القيادات الغربية تتحدث عن الإسلام بإنصاف وفي مقدمتهم الأمير تشارلز ولي عهد بريطانيا 0

                                                         بيروت     د0مؤمنة بشير العوف

Hit Counter